الحلبي
387
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أمير ومنكم أمير ، واحتج عليهم أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه بأن الأئمة من قريش قالوا له : قد ورد النص بخلافة علي كرم اللّه وجهه ، ولم يكن بين ذكر الحديث في غدير خم وبين ذلك إلا نحو شهرين ، فاحتمال النسيان على عليّ والعباس وعلى جميع الأنصار رضي اللّه تعالى عنهم من أبعد البعيد . على أنه ورد أنه لما قيل لعلي إن الأنصار قالوا منا أمير ومنكم أمير قال كرم اللّه وجهه : هلا ذكرت الأنصار قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم » فكيف يكون الأمر فيهم مع الوصاية بهم ، ودعوى الرافضة والشيعة أن الصحابة رضوان اللّه عليهم علموا هذا النص ولم يعلموا به عنادا غير مسموعة إذا هي ظاهرة البطلان ، لأن في ذلك تضليلا لجميع الصحابة وهم رضي اللّه تعالى عنهم معصومون عن أن يجتمعوا على ضلالة . ومن العجب العجيب أن بعض غلاة الرافضة يقول بتكفير الصحابة بسبب ذلك ، وأن عليا كرم اللّه وجهه كفر لأنه أعان الكفار على كفرهم . وأما دعواهم أن عليا إنما ترك النزاع في أمر الخلافة تقية وامتثالا لوصيته صلى اللّه عليه وسلم أن لا يوقع بعده فتنة ولا يسل سيفا فكذب وافتراء ، إذ كيف يجعله إماما على الأمة ويمنعه أن يسل سيفا على من امتنع من قبول الحق ؟ وكيف منع سل السيف على أبي بكر وعمر وعثمان رضي اللّه تعالى عنهم مع قلة أتباعهم وكثرة أتباعه ، وسله على معاوية رضي اللّه تعالى عنه مع وجود من معه من الألوف ، ولما ساغ له أن يقول كما تقدم ، لو كان عندي من النبي صلى اللّه عليه وسلم عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم وعدي ينوبان على منبره صلى اللّه عليه وسلم ، ولما بين سبب تركه لمقاتلة أبي بكر وعمر وعثمان ومقاتلته لمعاوية بأن أبا بكر اختاره صلى اللّه عليه وسلم لديننا فبايعناه فولاها عمر فبايعناه وأعطيت ميثاقي لعثمان ، فلما مضوا بايعني أهل الحرمين وأهل المصرين البصرة والكوفة ، فوثب فيها من ليس مثلي ولا قرابته كقرابتي ولا علمه كعلمي ولا سابقته كسابقتي وكنت أحق بها منه : يعني معاوية رضي اللّه تعالى عنه كما سيأتي . ومن ثم لما قيل للحسن المثنى ابن الحسن السبط إن خبر « من كنت مولاه فعلي مولاه » نص في إمامة علي كرم اللّه وجهه قال : أما واللّه لو يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك الإمارة والسلطان لأفصح لهم ولقال لهم : يا أيها الناس هذا وال بعدي والقائم عليكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا ، وو اللّه لو كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد إليه في ذلك ثم تركه كان أعظم خطيئة . وقد سئل الإمام النووي رحمه اللّه : هل يستفاد من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « من كنت مولاه فعليّ مولاه » أنه كرم اللّه وجهه أولى بالإمامة من أبي بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما . فأجاب إنه لا يدل على ذلك ، بل معنى ذلك عند العلماء الذين هم أهل هذا الشأن وعليهم الاعتماد في تحقيق ذلك « من كنت ناصره ومواليه ومحبه ومصافيه فعليّ كذلك » .